ابراهيم بن عمر البقاعي

535

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

صاعدين بالقوة في أوج الكمال طورا بعد طور وحالا بعد حال لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ يهبطكم بالضعف والوهن في مهاوي السفول لِتَكُونُوا شُيُوخاً ضعفاء غرباء ، قد مات أقرانكم ، ووهت أركانكم ، فصرتم تخشون كل أحد . ولما كان هذا مفهما لأنه حال الكل ، بين أنه ما أريد به إلا البعض لأن المخاطب الجنس ، وهو يتناول البعض كما يتناول الكل فقال : وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى بقبض روحه وجميع معانيه . ولما كان الموت ليس مستغرقا للزمن الذي بين السنين ، وإنما هو في لحظة يسيرة مما بينهما ، أدخل الجار على الظرف فقال : مِنْ قَبْلُ أي قبل حال الشيخوخة أو قبل حال الأشدية . ولما كان المعنى : لتتفاوت أعماركم وأحوالكم وأعمالكم ، عطف عليه قوله : وَلِتَبْلُغُوا أي كل واحد منكم أَجَلًا مُسَمًّى أي له سماه الملك الذي وكل به في بطن أمه عن إذننا وبأمرنا الذي قدرناه في الأزل ، فلا يتعداه مرة ، ولا بمقدار ذرة ، فيتجدد للملائكة إيمان في كل زمان . ولما كانت هذه الأمور مقطوعا بها عند من يعلمها ، وغير مترجاة عند من يجهلها ، فإنه لا وصول للآدمي بحيلة ولا فكر إلى شيء منها ، فعبر فيها باللام ، وكان التوصل بالتفكر فيها والتدبر إلى معرفة أن الإله واحد في موضع الرجاء للعاقل قال : وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * أي فتعلموا بالمفاوتة بين الناس فيها ببراهين المشاهدة بالتقليب في أطوار الخلقة وأدوار الأسنان ، وإرجاع أواخر الأحكام على أوائلها أن فاعل ذلك قادر مختار حكيم قهار ، لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء . ولما نظم سبحانه هذا الدليل في صنع الآدمي من التراب ، وختمه بأن دلالته على البعث - بإجراء سنته في إرجاع أواخر الأمور على أوائلها وغير ذلك - لا يحتاج إلى غير العقل ، أنتج عنه قوله : هُوَ لا غيره الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ كما تشاهدونه في أنفسكم وكما مضى لكم الإشارة إليه بخلق السماوات والأرض ، فإن من خلقهما خلق ما بينهما من الآجال المضروبة باختلاف الليل والنهار والشهور والأعوام لبلوغ الأفلاك مواضعها ، ثم رجوعها عودا على بدء مثل تطوير الإنسان بعد الترابية من النطفة إلى العلقة إلى ما فوقها ، ثم رجوعه في مدارك هبوطه إلى أن يصير ترابا كما كان ، فليست النهاية بأبعد من البداية . ولما كانت إرادته لا تكون إلا تامة نافذة ، سبب عن ذلك قوله معبرا بالقضاء : فَإِذا قَضى أَمْراً أي أراد أيّ أمر كان من القيامة أو غيرها فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ ولما كانت ( إذا ) شرطية أجابها في قراءة ابن عامر بقوله : فَيَكُونُ * وعطفها في قراءة غيره على كُنْ بالنظر إلى معناه ، أو يكون خبرا لمبتدأ أي فهو يكون ، وعبر بالمضارع